تحديات النمو الاقتصادي في الدول الناشئة صراع مستمر نحو الازدهار
تُمثل الدول الناشئة محركاً حيوياً للاقتصاد العالمي، فهي تضم نحو 85% من سكان العالم وتُسهم بنحو 60% من النمو الاقتصادي العالمي. لكنّ طريق هذه الدول نحو الازدهار ليس ممهداً، بل هو مليء بالتحديات الهيكلية والسياسية والاجتماعية التي تُعيق جهودها. فمن الديون المليونية التي تُخنق الموازنات، إلى الفساد المستشري الذي يُهدد الثقة، يواجه الاقتصاد الناشئ معركةً شرسة على جبهات متعددة. وفي هذا السياق، يتساءل المراقبون: هل يمكن لهذه الدول أن تتجاوز فخّ الدخل المتوسط وتنضمّ إلى مصافّ الاقتصادات المتقدمة؟
فخّ الدخل المتوسط والمصيدة الهيكلية
يُعدّ فخّ الدخل المتوسط (Middle-Income Trap) من أخطر التحديات التي تواجه الدول الناشئة. فهذه الظاهرة، التي وصفها الاقتصاديان إيفان جيل وكارل باتس، تشير إلى قدرة الدول على الخروج من فقرها المدقع وتحقيق نمو سريع في مرحلة مبكرة، ثم تتباطأ وتيرة نموها عندما تصل إلى مستوى دخل متوسط. وقد وقعت في هذا الفخّ دول مثل البرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا وماليزيا، التي بقيت عالقةً لعقود في مستوى دخل يتراوح بين 1000 و12000 دولار سنوياً.
ويرجع السبب الرئيسي لهذه الظاهرة إلى فقدان الميزة التنافسية التي كانت تعتمد عليها هذه الدول. ففي مرحلة مبكرة، تستفيد الدول من وفرة العمالة الرخيصة لجذب الاستثمارات الأجنبية في الصناعات التحويلية. لكنّ مع ارتفاج الأجور، تصبح هذه الدول غير قادرة على المنافسة مع دول أخرى ذات تكاليف عمالة أقل، كما أنها غير قادرة على المنافسة مع الاقتصادات المتقدمة في الإنتاجية والابتكار.
وقد نجحت دول قليلة في تجاوز هذا الفخّ، أبرزها كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان. فكوريا الجنوبية، التي كان دخلها الفردي يعادل دخل غانا عام 1960، وصلت اليوم إلى مستوى الدول المتقدمة بفضل استثمارات ضخمة في التعليم والبحث والتطوير. فقد خصصت كوريا الجنوبية نحو 4% من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث والتطوير، وهو ما مكّنها من بناء صناعات تكنولوجية عالمية مثل سامسونج وLG وهيونداي.
الديون الخارجية وخطر الأزمات المالية
تُعاني العديد من الدول الناشئة من أعباء ديون خارجية تُثقل كاهل موازناتها. فقد بلغ إجمالي ديون الدول النامية نحو 11 تريليون دولار عام 2023، بزيادة 50% عن مستويات عام 2010. وقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، الذي دفعته سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى زيادة تكاليف خدمة هذه الديون بشكل حاد.
ففي سريلانكا، على سبيل المثال، أدى تراكم الديون الخارجية إلى إعلان البلاد إفلاسها رسمياً عام 2022، بعد أن فشلت في سداد ديون بقيمة 51 مليار دولار. وقد أدى هذا الإفلاس إلى انهيار العملة المحلية بنسبة 80%، وارتفاع التضخم إلى أكثر من 50%، ومظاهرات شعبية غير مسبوقة أطاحت بالحكومة. وبالمثل، تواجه باكستان ومصر وتونس أزمات ديون حادة تتطلب تدخلات من صندوق النقد الدولي.
وقد أدى هذا الواقع إلى ظهور ما يُعرف بـ«دبلوماسية الديون»، حيث تستخدم الدول الدائنة نفوذها الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية. فالصين، من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، قدمت قروضاً بقيمة تريليون دولار لدول ناشئة، لكنّ بعض هذه القروض جاءت بشروط صارمة. ففي سريلانكا، اضطرت الحكومة إلى تأجير ميناء هامبانتوتا الاستراتيجي للصين لمدة 99 عاماً بعد فشلها في سداد القرض. وبالمثل، في جيبوتي، تدير الصين قاعدة عسكرية بالقرب من ميناء دوراليه الذي مولته بقروض صينية.
الفساد وضعف المؤسسات
يُعدّ الفساد من أكبر العوائق أمام النمو الاقتصادي في الدول الناشئة. فتُقدر منظمة الشفافية الدولية أنّ الفساد يكلف الاقتصاد العالمي نحو 2.6 تريليون دولار سنوياً، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي الدول الناشئة، يكون تأثير الفساد أكثر حدة، حيث يُعيق جذب الاستثمارات الأجنبية ويُقلص الموارد المتاحة للتنمية.
ففي نيجيريا، على سبيل المثال، تُقدر قيمة النفط المُهرّب أو المُسرّب بنحو 5 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يُعادل نحو 20% من إيرادات النفط الرسمية. وبالمثل، في فنزويلا، أدى الفساد المستشري وسوء الإدارة إلى انهيار صناعة النفط التي كانت تُنتج 3.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 700 ألف برميل. وفي مصر، تُشير تقديرات إلى أنّ الفساد يكلف الاقتصاد نحو 20 مليار دولار سنوياً.
ولا يقتصر الأثر على الخزائن العامة فحسب، بل يمتد إلى الثقة في المؤسسات. فالشركات الأجنبية تتردد في الاستثمار في دول يُسود فيها الفساد، خوفاً من عدم الاستقرار والمخاطر القانونية. وتُشير دراسة البنك الدولي إلى أنّ تحسين مؤشر الفساد بدرجة واحدة يمكن أن يزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 11%.
الفجوة التعليمية ونقص رأس المال البشري
رغم أنّ الدول الناشئة تتمتع بوفرة في العمالة، إلا أنّ جودة هذه العمالة تظلّ تحدياً كبيراً. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، يتلقى نحو 90% من الأطفال التعليم الابتدائي، لكنّ جودة هذا التعليم تظلّ متدنية للغاية. فدراسة دولية لتقييم الطلاب (PISA) أظهرت أنّ طلاب الدول الناشئة يتأخرون بمعدل سنتين دراسيتين عن نظرائهم في الدول المتقدمة.
وهذا الواقع يُحد من قدرة هذه الدول على الانتقال من الاقتصادات القائمة على الموارد إلى الاقتصادات القائمة على المعرفة. فالهند، على سبيل المثال، تُنتج سنوياً نحو مليون ونصف المليون مهندس، لكنّ نسبة كبيرة منهم يفتقرون إلى المهارات العملية المطلوبة في سوق العمل. وبالمثل، في البرازيل، يعاني نحو 40% من الخريجين من صعوبة في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم.
كما أنّ الهجرة العكسية للكفاءات (Brain Drain) تُضعف القدرات المحلية. فقد غادر نحو 30% من الأطباء والمهندسين الأفارقة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية خلال العقدين الماضيين، مما أدى إلى نقص حاد في الكفاءات في بلدانهم الأصلية. وتُقدر منظمة الهجرة الدولية أنّ أفريقيا تخسر نحو 4 مليارات دولار سنوياً بسبب هجرة الكفاءات.
التغير المناخي والضغوط البيئية
يُضيف التغير المناخي تحدياً جديداً يُهدد جهود التنمية في الدول الناشئة. فهذه الدول، رغم أنها أقل مسؤولية عن انبعاثات الغازات الدفيئة، هي الأكثر تضرراً من آثارها. فقد أدى الجفاف في شرق أفريقيا عام 2022 إلى موجة مجاعة أثرت على نحو 20 مليون شخص، بينما أدت الفيضانات في باكستان إلى خسائر اقتصادية تقدر بـ30 مليار دولار.
وقد أدى هذا الواقع إلى ظهور ما يُعرف بـ«الديون المناخية»، حيث تضطر الدول الناشئة إلى الاقتراض لتمويل مشاريع التكيف مع التغير المناخي. فقد خصص البنك الدولي نحو 30 مليار دولار سنوياً لمشاريع المناخ في الدول النامية، لكنّ هذا المبلغ يظلّ غير كافٍ مقارنة بحجم التحدي. وتُقدر دراسة أنّ الدول النامية تحتاج إلى 2.4 تريليون دولار سنوياً حتى عام 2030 للتكيف مع التغير المناخي.
وفي سياقٍ متصل، تواجه الدول الناشئة ضغوطاً دولية للتحول نحو الطاقة النظيفة، رغم أنّها لا تملك البنية التحتية اللازمة. فقد طالب الاتحاد الأوروبي الدول المصدرة للفحم بفرض ضرائب كربونية على صادراتها، وهو ما قد يُقلص من قدرتها التنافسية. وبالمثل، تضغط مؤسسات التمويل الدولية على الدول النامية للتخلي عن مشاريع الوقول الأحفوري، دون توفير بدائل مالية كافية.